أسعد السحمراني

71

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

الجشع ، وتقلّل من سعيه في سبيل المطالب المادية ، وتحمله على اللامبالاة بالإشباع المادي ، وبهذه الطريقة تساهم القناعة في ضبط الإنسان لذاته ولهشواته في مواجهة الكثير من متطلبات الجسد كالحسية والعاطفية . . وبهذا يقول سقراط : « إن القناعة وحدها هي التي تعلّمنا الصبر عند ضغط المطالب ، وهي وحدها التي يمكنها أن ترشدنا إلى اللّذات الخالصة » « 1 » . وقد ذمّ سقراط الشهوات وقال معرفا : « الملك الأعظم هو أن يغلب الإنسان شهواته » « 2 » . لأن الشهوات تفتح الطريق للحسّ والغرائز مما يدخل الإنسان في تحاسد وصراع مع غيره ، وفي حالة اقتتال على تحصيل المطالب الجسدية المادية ، وهذا يقود إلى الغضب . لذلك فخير الناس من ملك نفسه حين الغضب ، ومن عرف كيف يغضب ولكن ليس من الناس ، وإنما من نفسه إذا ما حاولت أن تنحطّ به إلى مستوى الرغبات المادية فتلوّث سمة الإنسانية في ذاته . وفي هذا كان يقول سقراط : « داو الغضب بالصمت ، وداو الشهوة بالغضب فإن من غضب على نفسه من تناول المساوىء ، شغل عنها » « 3 » . أما عن الروابط الاجتماعية فأهمها عنده : الصداقة . فالصداقة حاجة ضرورية لأن الصديق المخلص يسهر على صديقه كسهره على نفسه ، فيدافع عنه ، ويمنعه من الوقوع في الشرّ إذا ما جهل مخاطر فعله أحيانا . والصداقة الحقّة لا يقابلها ثمن ، وفي حال المقارنة نجدها ترجح على كل شيء يمتلكه الإنسان مهما كبرت قيمته . وعند السؤال : لماذا أعطى هذه القيمة للصداقة ؟ يقول سقراط : « إن صديقك يعمل ويسمع ويرى من أجلك . إنّك تغرس الأشجار لتجني ثمارها ، وتهمل ، في شيء من عدم الاكتراث الآثم ، الحديقة التي تؤتي أكلها شهيا في كل حين : أعني الصداقة » « 4 » .

--> ( 1 ) كرسون ، اندريه ، م . س ، ص 45 . ( 2 - 3 ) يراجع : مسكويه ، أبو علي أحمد بن محمد ، الحكمة الخالدة ، تحقيق وتقديم د . عبد الرحمن بدوي ، بيروت ، دار الأندلس ، ط 3 ، سنة 1983 . ( 4 ) كرسون ، أندريه ، م . س ، ص 47 .